تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي
الثقافة والفعاليات الثقافية

سلام حلوم

أنا ساعي البريد
بعالي الحزن
أبعث إليكم آخر مكاتيبي،
وربّما أوّلها
وبعالي الحزن،
أقدِّر دهشتها،
هذي الجِمال
التي برَا سنامها خرج ُ البريد ِ
تنيخ الآن تحت إطار ٍ في لوحة ٍ
على جدار ِ متحف.

وبعالي الحزن،
أقدِّر الصمت المطبق َ في حنجرته
هذا الحمام
فقد ظل َّ يزجل ُ حتى داخ،
كيما يُعدَّ بحّة ً نادرة ً في مقام الهديل
وكي لا يُتّهم بالخرف جنس الطير،
أسلم للقباب أطواقه وخلاخيله، وبعضا ً من زغب الجناح
وحلَّق، حتى لم يعد بالعين المجردة يُرى
هو الآن يقبع في الكتاب المدرسي ّ كتاريخ ٍ مُصبّر ٍ

وبعالي الحزن
أقدِّر أن يهرَّ، عندما أربّت على كتفيه
هذا الصندوق ُ
فقد أكلته الوحشةُ
ونخرت أوصاله أعشاش الدبابير

وبعالي الحزن
أقدِّر شحوبه في العزلة البادية على ملامحه المصقولة،
فهذا الظَرف
تحمَّل أن يكون رضابُه من صمغ ٍ
أن يُقلب على قفاه، أن ينتهك حرمَته قطّاعُ الكلام …
أن يُمزَّق ثوبُه الوحيد وهو يعاندُ في الدخول بينَ العتبةِ وبابها
تحمَّل غرور الطَّابع ِ
هم َّ الحفاظ على السّر
جحود َ المرسَل إليهم
رعونة َ المشتاق
الزّيَّ الواحد َ،
السياج َ بلونين
هو الآن يقبع في عنبر المطابع
لا أكثر من كيس ٍ نافل.

أنا ساعي البريد
تباهيت ُ قدَّام جدي بترتيب الحارات أبجديا ً،
بقراءة كل ِّ الخطوط حتى خربشات الدجاج،
بحفظ المدينة عن ظهر قلب
حبّي الأوّلُ كان بالمراسلة وعمرَها لم تبت في حقيبتي رسالة،
وما تكاسلت ولو كان العنوان في آخر ما عمَّر الناس …
وأنا الآن
أقطع باقي وظيفتي حارسا ً على خزانة ٍ لطوابع التذكار

أنا ساعي البريد
أقدِّر بعالي الحزن
ضجر أسمائكم وهي تفرك حرفا ً بحرف ٍ
في مكالمات ٍ
لم يردّ عليها.

من (يسمّونه عندنا )

نصوص أخرى في الثقافة والفعاليات الثقافية

كل نصوص الثقافة والفعاليات الثقافية ←