تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي
عالم القصة

مرسي البدوي مصر

زم الشيخ ربيع لحيته البيضاء بأصابعه، حاول ألا تلتقى عيناه بعينيها، لم تكن فرحانة
زوجة المنسوب تاجر المخدرات جميله ولا حتى بها مسحة من الجمال ليخاف الشيخ ربيع
على نفسه من الفتنة، لكنه تعود أن يخفض عينيه طالما كان من يحدثه إمرأه، تنحنح الشيخ ليفسح
لها وقتاً للكلام، سقطت الدموع من عينيها رغماً عنها، تهدهد الرضيع على صدرها ليكف عن البكاء
المتواصل، الرضيع يتلوى على صدرها، أشار الشيخ إلى الرضيع متسائلاً : ماله كفى الله الشر ؟
مسحت الدموع بظهر كفها : لا أعرف، على هذه الحالة منذ الصباح وكأنه تذكر موت أبيه ياسيدنا !
أشار لها أن تواصل كلامها مواسياً : كلنا سنموت يا إبنتى، ربنا يلهمك الصبر، خير ان شاء الله.

لم تستطع فرحانه إيقاف شلال الدموع والنهنه : لا أجد ما أطعم به الأولاد يا مولانا، مات المنسوب
ولم يترك لنا شيئاً وترك لى خمسة من الأولاد غير الذى على صدرى، حتى الحرام الذى كان يتاجر
فيه سرقه أولاد الحلال وهو مريض، رصدوا المخبأ فى الخرابه أمام المقهى وأخذوا كل شىء، كل
ما نملكه ضاع فى ثوانى.

كلما عجز الشيخ عن مواساتها عاد ليتنحنح ويحكم عباءته حول جسده، صمت وقتاً ثم بدأ يتكلم :
إن شاء الله سوف أقابل الإخوة بعد صلاة الفجر وسوف أحاول أن يجمعوا مبلغاً يساعدك على
المعيشه، لا تقلقى يا ابنتى ربك لا ينسى أحداً، مخطت فرحانه فى طرف جلبابها ومسحت أنفها
بكفها : لا يا مولانا أنا لم اّت إليك لهذا السبب، رد الشيخ بدهشه : لماذا جئت إذن ؟

مسحت فرحانة عينيها بكفها : أنت تعرف يا مولانا أن سكان الحى أكثرهم من العمال الذين يعملون
فى المصنع ويصرفون أجورهم كل أسبوعين، كانوا يأخذون البضاعه من المرحوم المنسوب ويدفعون
جزء من الدين كل أسبوعين، زوجى قلبه كان مثل اللبن الحليب، يقبل أعذارهم ولا يلح عليهم، بعد
موته لم يدفع لى واحد منهم دينه، أخبرنى بيونهم قبل موته، أوصانى قائلاً : هذا حق الصغار يا فرحانه،
والبضاعه كما تعلم يا مولانا كان يدفع فيها كل ما كان معنا.

تحير الشيخ كيف يجيبها، هرش جبهته بقوة، خرجت الكلمات من فمه بصعوبة :
ما المطلوب منى ؟ كأنها كانت تنتظر سؤاله فقالت على الفور : كل المدينين يصلون معك فى المسجد،
لو تكرمت وطالبتهم بسداد دين المنسوب لأرملته سيسمعون كلامك، أستطيع بعدها أن أربى أولادى
كبقية الناس

غمر العرق وجه الشيخ ربيع رغم البر الشديد، ما عاد يزم عبائته حول جسده ولم تعد كفه تمشط لحيته
البيضاء، عاد صوت فرحانه يدوى : الأولاد أمانة فى رقبتك يا مولانا ! لا تنسى أن الناس إشترت
برغبتها، وأن ما باعه المنسوب إشتراه بأموال الصغار.

إعتاد الشيخ ربيع أن يأوى إلى سريره مبكراً، ينهض من النوم قبل صلاة الفجر بساعة على الأقل ليمر
على بيوت الحى ليوقظ الناس للصلاة أملاً فى نيل ثواب المصلين، ظل يتقلب فى فراشه طوال الليل لم يغمض
له جفن يسأل نفسه : هل يجوز أن يطالب المصلين بسداد دين المخدرات ؟ وإذا لم يفعل، هل يجوز أن يترك صغار فرحانة للجوع، الرجل إشترى المخدرات دفع فيها النقود، لو لم يفعل لوجد الصغار النقود بعد موته !
إصطدم الشيخ بزوجته أثناء تقلبه صرخت : ماذا بك يا رجل ؟ تفرك طول الليل كالماكينة، لم تنم وتكلم نفسك
كالمجانين، إهدأ قليلاً حتى أستطيع النوم، أدارت جسدها وراحت تعط فى النوم.

قفز الشيخ من فوق السرير وجلس على كرسى قديم بجانبه، يكلم نفسه بصوت خفيض حتى لا يوقظ زوجته
الساخطة : مسألة خطيرة يا ربيع، ليتها كانت طلبت بعض المال حتى منه شخصياً بدلاً من الموقف العسير،
بقى يكلم نفسه حتى داهمه النوم، لم يستيقظ من النوم إلا قبل الظهر بقليل، حينما بدأ يدرك الأشياء وجد نفسه
يلعن فرحانة التى أضاعت عليه الفجر لأول مرة منذ عشرات السنين.

نصوص أخرى في عالم القصة

كل نصوص عالم القصة